Top

نظام معلوماتي متطور

البروفيسور هيرناندو أومباو، أستاذ الإحصاء في جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية.

شكلت جائحة فيروس كورونا (كوفيد-19) الحالية تحدياً كبيراً على معظم أنظمة الصحة العالمية وضغطاً كبيراً غير مسبوق على المستشفيات وأطقمها الطبية من أطباء وممرضين، الأمر الذي يؤكد ضرورة تطوير نظام معلوماتي دقيق قادر على التنبؤ بالحالات المصابة لمساعدة المراكز والقطاعات الصحية ومرافقها في رفع جاهزيتها والتحضير للموجات المستقبلية من الحالات الجديدة.

وفي هذا السياق يقول أستاذ الإحصاء في جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية (كاوست)، الأستاذ هيرناندو أومباو: " إن الاستعداد هو مفتاح الحد من الوفيات، ففي حال استطاعت الدولة، أو المجتمع المحلي، توقع عدد الحالات التي تحتاج للتنويم في المستشفيات، فربما يمكنهم تقليل معدل الوفيات، خصوصاً إذا ما أخذنا في الاعتبار حقيقة أن أحد الأسباب الرئيسية لارتفاع معدلات الوفيات من فيروس كورونا هو أن المراكز الصحية والمستشفيات باتت مرهقة بالكامل".

نمذجة الوباء

يرأس البروفيسور أومباو مجموعة الإحصاء الحيوي في قسم العلوم والهندسة الحاسوبية والكهربائية والحسابية في كاوست والتي تعمل على تطوير طرق ونماذج إحصائية جديدة للعمليات البيولوجية المعقدة باستخدام أدوات مثل تحليل السلاسل الزمنية والتحليل الطيفي والإحصاءات الحاسوبية والتصور التحليلي للبيانات.

ويعمل أومباو على تطوير نماذج إحصائية يمكنها الحصول على تقديرات دقيقة لحالات الإصابة المتوقعة بفيروس كورونا، يقول: "إذا تمكنا من إعطاء مسؤولي الصحة العامة لدينا ومديري المستشفى مجموعة دقيقة من السيناريوهات المتفائلة والمتشائمة، فسيكونون قادرين على استخدامها للتأهب ورفع الجاهزية".  ويمكن تعديل هذه النماذج من خلال ضبط عوامل معدل الإصابة وقابلية حدوثها ومعدل الشفاء، وإنشاء منحنيات لسيناريوهات معقولة استناداً لتلك المدخلات. ويمكن بعد ذلك عرض هذه البيانات رسومياً وحفظها كمدخلات للمزيد من التحليل والمعالجة. يقول البروفيسور أومباو:" دراسة النماذج الرياضية للأوبئة أمر جديد كلياً، لذلك أجدها فرصة مواتية للتعلم وتطوير المفاهيم".

التعاون البحثي لتطوير نماذج إحصائية موثوقة

جذب مجال النمذجة الرياضية للأوبئة علماء أخرين في كاوست مثل البروفيسور ديفيد كيتشيسون، الأستاذ المشارك في الرياضيات التطبيقية والعلوم الحاسوبية، والذي لديه مساهمات كبيرة في تطوير نموذج (SIR) المعتمد على ثلاثة عوامل: قابلية الإصابة، العدوى، ومعدل الشفاء. وقد استفاد البروفيسور أومباو وفريقه من عمل كيتشيسون لتطوير وتطبيق أداتهم الإحصائية التي تعتمد على محاكاة الوباء للخروج بتقدير تقريبي للعوامل المرتبطة به مثل معدل الانتقال وفترة الإصابة، يوضح أومباو : "يمكننا إدخال بيانات الوباء في جهاز المحاكاة الخاص بنا والخروج بمجموعة واسعة من الاحتمالات المتعلقة بالعدد المتوقع للعدوى في كل يوم".  

ويركز فريق البروفيسور أومباو بشكل خاص على جمع البيانات وتحليلها للتنبؤ بعدد حالات التنويم في المستشفيات، بناءً على بيانات العدوى اليومية، على المستوى المحلي في حرم الجامعة، يقول: " تطبيق نموذج (SIR) يحتم عليك النظر إلى أعداد كبيرة من السكان، ولكننا في حرم كاوست لدينا فقط حوالي 7300 فرداً من أعضاء المجتمع. ومع ذلك، أجدها خطوة جيدة، لذا يجب على فريق الإحصاء الحيوي أيضًا استخدام مجموعات بيانات أوسع من دول أخرى وتكييف البيانات الديموغرافية لتتناسب مع تركيبة مجتمع الجامعة."

هذه المعلومات مفيدة لفريق الطوارئ الصحي في كاوست للتنبؤ بطول فترة علاج مرضى كاوست، وتقييم توفر الأسرة والتنويم وإدارة الموارد في عيادة الجامعة ومستشفيات جدة.

دعم صناع القرار في المملكة

يتعاون علماء كاوست أيضًا لتوفير بيانات موثقة لصناع القرار والمسؤولين الحكوميين في المملكة العربية السعودية من خلال تطويرهم لمنصة معلومات عن جائحة كورونا متاحة لسلطات الصحة العامة وكذلك لعامة الناس.

وقامت بوصلة كوفيد (COVID Compass)، وهي فرقة عمل عالمية تضم باحثون من كاوست، بتقديم منصة بيانات ذات صلة وقابلة للتطبيق عن جائحة فيروس كورونا (كوفيد-19) في الوقت الفعلي. يقول البروفيسور أومباو، الذي يساهم في قسم التحليلات والنمذجة في بوصلة كوفيد: "نخطط للقيام بتنبؤات عن الوباء داخل المملكة وعلينا تكييف نسب التنويم لدينا بحيث تعكس بشكل أكبر التركيبة السكانية للمملكة بدلاً من التركيبة السكانية في الصين والمملكة المتحدة".

أثر الإجراءات الوقائية المتعلقة بفيروس كورونا على تخفيض معدل الوفيات

أحد الجوانب المهمة التي يمكن للنماذج الإحصائية تسليط الضوء عليها هو عدد الأرواح التي يمكن إنقاذها بفعل الإجراءات الوقائية التي تفرضها الحكومات لمكافحة انتشار جائحة فيروس كورونا.  

يقول البروفيسور أومباو: " درسنا بيانات التنويم من الولايات المتحدة في ذروتها، وماذا كان سيحدث لو لم يتم تطبيق إجراءات وقائية للحد من انتشار الوباء كالتباعد الاجتماعي وحذر التجول، وإغلاق المدارس وأماكن العمل، وتمكنا من تقدير أن عدد الطلب على أسرة المستشفيات قد انخفض بمئات الآلاف جراء هذه الإجراءات".

وعند مراقبة البيانات من مختلف البلدان والمدن، نجد أن هناك ارتباط واضح بين فرض الإجراءات الوقائية كعامل مخفف وانخفاض انتشار العدوى، إلا أن مثل هذه الإجراءات الضرورية ستترك بلا شك بصماتها، يقول أومباو:"الكثير منا سينجو من هذه الجائحة نتيجة تطبيق إجراءات التباعد الاجتماعي، ولكن من ناحية أخرى، سيتأثر الكثير منا ذهنياً ونفسياً من هذه التجربة".